حركة العلم: جنين يصعد سلّمًا؟! (1\3)

لقد تخلّصت الأنوار من الفكرة الإنجيليّة الّتي ترى أنّ التّاريخ تنازليّ، تاريخ خطيئة الإنسان وانحداره نحو الأسفل، وقلبت الرّؤية لتضع مكانها تصوّرًا تقدّميًّا وتصاعديًّا للتّاريخ؛ وباستعارة دارون، جرى تعميم ‘التّطوّر’فكرةً على مجمل الحقول العلميّة والإنسانيّة؛ ولذلك – وبحسب نيتشة – فإنّ الحداثة تأسّست على عضّة هيجلالّتي تصوّرت أنّ ثمّة معنًى للتّاريخ يأخذه نحو التّقدّم، وهي قلبٌ للتّصوّر المسيحيّ لا أكثر. وما يدعو لهنيتشه هو ‘براءة الصّيرورة’، وتعني براءتها من الغائيّة اللّاهوتيّة؛ فيكفي القول إنّ الأشياء تصير.

تحوّل السّؤال

إيمانويل كونت (1724 – 1804)

ليس من السّهل أن تستقرّ فكرة ‘براءة الصّيرورة’ في قلبحركة العلم، لأنّه إن لم يكن ثمّة وعود بـ ‘الأفضل’ مدرجة على برنامج العلم، فإنّه ليس ثمّة حاجة للعلم نفسه. وتكمن أهمّيّة النّشاط العلميّ بعد انحدار الدّين (أو الأصحّ إعادة ترتيب مكانه في العالم الحديث) في أنّ العلم نفسه سمح لنفسه بالتّقدّم في أماكن تركها الدّين شاغرة، وبما أنّه غير مصمّم للإجابة على سؤال ‘لماذا؟’ (سؤال الغاية الّذي لطالما كان ميدان الأديان المفضّل)، فإنّه فضّل عدم وجوده على أن يكون موجودًا دون إجابة. جرى تصوير أنّ كلّ ما يهمّ هوسؤال ‘كيف؟’، إذ أنّ تفسير ما يحدث يجب أن يكون كافيًاللإنسان الحديث حتّى لا يشعر بالاغتراب أمام الطّبيعة، وعليه أن ينشغل بالسّيطرة عليها بدلًا من التّواصل معها. لكن حتّى سؤال الكيف نفسه، تَخَفَّفَ من إجاباته اليقينة وفضّل أن يتواضع أمام الظّواهر الّتي اتّضح أنّها تعاند نظرتنا عنها، وباستمرار. خلف كلّ هذا، كان ثمّة سؤال في طريقه للنّضج، حول ‘طبيعة التّطوّر العلميّ نفسها’؛ هل العلم يتطوّر من داخله، في علاقة تحكم المسار العلميّ بتصحيح أخطائه نحو الأمام؟ أم ثمّة ظروف اجتماعيّة وسياسيّة ونفسيّةتشكّل إطارًا ناظمًا لحركة العلم؛ وبالتّالي جعل العلم نشاطًا بشريًّا كمجمل النّشاطات الأخرى؟ هذا التّساؤل خلق تيارّين في نقاشات مؤرّخي العلم، لا سيّما بين الفلاسفة الأنجلوسكسونيّين، وهما تيّار أهل الدّاخل وتيّار أهل الخارج.

جنين

مع المدرسة الوضعيّة على يد كونت، جرت المثابرة على تقديم العلم بوصفه جنينًا ينمو، وبأنّه يترقّى من الأدنى للأعلى، من البدائيّ إلى المتقدّم، في حلقة متّصلة ومتواصلة نحو الأمام. تقوم المحاججة الرّئيسيّة على أنّ العلم قد رافقته بدايات بطيئة؛ فيما التّقدّمات كانت سريعة ومتّصلة، وهذا ما يجعل حركة العلم جنينيّة الطّابع من داخلها؛ فهي في طور النّموّ مع تقدّم الزّمن كما الجنين تمامًا. فيما يشكّل العالم الخارجيّ إطارًا متواطئًا معها نحو الأعلى على شكل سلّم يجعل من كلّ خطوةٍ خطوةً نحو الأعلى بالضّرورة. لقد تصوّر كونتمراحل نموّ المجتمعات من البدائيّة نحو العلميّة  كدرجة أرقى.

غاستون باشلار (1884 – 1962)

لقد رفض كونت مطلب كوندورسيه بحماية العلم ورفعه عن الثّورات والمتغيّرات التّاريخيّة، بوصفه يمثّل الحقيقة المشتركة والكلّيّة، وهو رفض نابع من عدم اعتراف كونتبفكرة أنّ العلم أو الفكر العلميّ غير معنيّ بالسّياسةوالمتغيّرات الاجتماعيّة والتّاريخيّة، إلّا أنّه تصوّرها بوصفها ظروفًا متوافقة مع فكرة ‘التّقدّم’.

الافتراض بأنّ العلم يجري في المختبر في ظروف معزولة ومعقّمة من الواقع، هو افتراض إيمانيّ لا يتّكئ على دليل؛ لطالما رافق حركة العلم، فإن كان المختبر معقّمًا جيّدًا عمّا يحيط به، فإنّ العالِم ليس كذلك، وإن قام المختبر علىأنقاض المعبد في تصوّر العالم، فإنّه استعار منه طهرانيّتهوافترض أنّ رجس الخرافات هو ما يجري خارجه.

القطيعة

لقد انتقد باشلار التّصوّر التّقدّميّ لحركة العلم، واضعًا مفهوم ‘القطعية’ مقولةً أبستمولوجيّةً تقف على النّقيض ممّن يؤيّدون مقولة الاتّصال – وبالذّات المدرسة الوضعيّةوالقطائع بدورها مهّدت لتصوّر حركة العلم بوصفها حركة ثوريّة الطّابع، مع أنّ الثّورة في المفهوم الباشلاريّ ليست حدثًا تاريخيًّا مفاجئًا، إذ أنّها تقتضي منظورًا ومسارًا معقولًا يجعلها ممكنة الحدوث؛ وبذلك يبدو مسار الفكر العلميّ بعامّة، وتعاقب النّظريّات العلميّة بخاصّة، على شكل ‘جدل استيعابيّ أو حلزونيّ’، حيث اللّاحق يحتوي أهمّ ما في السّابق، ثمّ يتجاوزه إلى جديد لم يطرقه السّابق.

إنّ القطيعة آليّة ضروريّة لتطوّر الفكر العلميّ من خلال ‘الجدل’؛ إذ الجديد لا ينفي القديم نهائيًّا، بل يستوعبه ويعيد تنظيمه ودمجه ثمّ تجاوزه، وهي عمليّة لا تقف عند النّظريّات، بل تتعدّاها إلى التّقنيّة، إذ على سبيل المثال: كان المصباح التّقليديّ، ‘مصباح أديسون’، قائمًا على مبدأ ‘الاحتراق’، فمن أجل إنتاج النّور كان لا بدّ مناحتراق الزّيت والفتيل. أمّا المصباح الحديث، فإنّه يقوم على مبدأ ‘اللّاحتراق’؛ فلإنتاج النّور ينبغي أن تعمل المقاومة الموجودة في المصباح على منع الاحتراق بالتّقليل من شدّة التّيّار، حتّى لا يتلف المصباح نهائيًّا. إنّ الانتقال من إنتاج النّور بالاحتراق لإنتاجه باللّاحتراق لم يكن تواصلًا داخل المصباح نفسه، إلّا بقدر ما يمكننا اعتبار ‘الكيبورد’ تواصلًا مع ‘المحبرة’.

بيار دوهيم (1861 – 1916)

يشير التّأمّل في حقول المعرفة العلميّة من داخلها، إلى العديد من أمثلة القطائع؛ فعلى سبيل المثال: في الكيمياء يوجد مرحلة ‘ما قبل لافوازيه’ ومرحلة ما بعده؛ فقد وضع بدوره لغة كيميائيّة أعادت تأسيس الكيمياء بشكل كلّيّ؛ فبدون الأبستمولوجيا لا يمكننا أن نميّز في الكيمياء بينالتّاريخ مستنفذ الصّلاحيّة، والتّاريخ الّذي ما زال صالحًاللاستخدام.

روابط خفيّة

في المقابل، يعدّ دوهيم أنّ اللّا تواصل عرضيّ فقط، ويخفي وراءه تواصلًا واستمرارًا جوهريّين، ودلّل على ذلك بإيجاد روابط خفيّة بين غاليلي ونيوتن وأرسطو، على عكس الشّائع بأنّها قطائع.

وفق هذا التّصوّر، فإنّ نيوتن قد اعتمد على ما تبقّى منقوانين غاليلي، وأعاد دمجها في إطار نظريّته الجديدة.  فعل أينشتاين الشّيء ذاته مع نيوتن؛ فعندما وجد‘الفيزياء النّيوتنيّة’ لا تفسّر كلّ الظّواهر، لأنّها مقتصرة على مجال الظّواهر الكونيّة الكبرى (أو الوسطى)، طوّرأينشتاين نظريّته الجديدة لتفسّر الظّواهر الصّغرى والكبرى في آن، وغدت النّيتونيّة جزءًا من النّسبيّة وفق منظور جديد، ووفق إعادة تأطير جديدة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s