“بلال” الذي لم يعد يُتقن الأذان

مقدمة

ذهبت لمشاهدة فيلم “بلال” وأنا متشوّق لرؤية عمل جماليّ عن فترة صدر الإسلام، خصوصاً وأنّ العرض الدعائي كان يبشّر بصورة على درجة عالية من النضج والإبهار. تبدو الفترة المبكرة من الإسلام، عصيّة على دخول السينما؛ فأبطالها الأساسيّون ولاسيما شخصيتها الرئيسية النبي محمد مازال تجسيدها محلّ إشكال وحساسيّة لم تحُسم بعد عند المسلمين. وهذا يعني أنّك ستحكي حكاية بصريّة بدون بطلها. وهو إشكال أصاب المسلسل الذي اشتغله حاتم علي ووليد سيف حول الصحابي عمر بن الخطاب؛ فكانت أعمالهم المشتركة مثل: “ثلاثية الأندلس” و “الزير سالم” أكثر جمالًا ونضجاً؛ لأنّ رفع التقديس الشكليّ يتيح المجال لتقدم قدسيّة الجمال، ويجعل من التاريخ ممكناً، ومتاحاً للمحاكاة والتخيّل.

إنّ الفيلم – الذي نحن بصدده – يحكي قصة الصحابي بلال بن رباح وهو من إنتاج شركة “بارجون إنترتينمنت” و إخراج المخرج الباكستاني خورام آلافي و كتابة و إنتاج السعودي أيمن جمال بالتعاون مع الممثل الأمريكي ويل سميث. وقد احتاج العمل لحوالي سبع سنوات ليرى النور -كما يقول القائمون عليه- ويحتوي الفيلم على 88 شخصية من بينهم أبو بكر الصديق وحمزة بن عبد المطلب و أميّة بن خلف و سعد بن أبي وقاص. وهو أول فيلم لاستديو “بارجون إنترتينمنت” السعودية وأول فيلم رسوم متحركة طويل المدّة يُدعم و يُنتج في “الشرق الأوسط”.

بناء الفيلم من الداخل

وبالفعل، كان الفيلم على درجة عالية من جماليّة الصورة، وامتاز بلقطات مُتقنة مصاحبة ببناء مميّز للأماكن والشخصيات والحبكة، بالإضافة لجمالية الموسيقى التصويرية المرافقة للفيلم. والفيلم ناطق باللغة الإنجليزية ما يعني –مبدئياً- أنّه ليس موجهاً لنا، لكن هذه ليست المشكلة؛ فالفيلم لم يكن عن بلال من الأصل، إنّك لن تشاهد فيلماً عن حياة الصحابي بلال كما كنت تظن من الإعلان، من الممكن أن يكون عن سليمان نورثوب بطل فيلم “12 عاما من العبودية” تلك النوعية من الأفلام التي صدّعت هوليود رؤوسنا بها؛ لحل إشكاليّة ضمير الرجل الأبيض. حسناً يتضح الآن أنّ بشرة بلال السوداء واستعباده أهلّته ليكون بطل الفيلم، في منطقة شهدت الرِّق لكنها لم تقم عليه، ولتكتمل “المهمة الدعوية” التي دفعت بالفيلم أن يُنتج كان على بلال أن لا يعود بلالاً.  إنّه بلال وقد تم تهيئته ليصبح مقبولاً عالميّاً، بلال وهو في طريقه لإلقاء خطاب عن الحرية والمساواة على منابر الأمم المتحدة.

يبدأ الفيلم ببناء شخصيّة بلال منذ تم خطفه من أرض الحبشة من بين ذراعيّ أمّه، ليجد نفسه في مكة عبداً لأميّة بن خلف أحد سادة قريش. وأميّة سيّد إقطاعيّ ورأسماليّ أيضاً لا يقدسّ شيئاً غير المال، ولا يعرف قانوناً غير قانون السوق، في وقت لم يكن فيه رأسماليّة ولا سوق! ويتوالى بناء السيّد أميّة بهذا التسطيح ليظهره مُلحداً لا يؤمن حتى بآلهة قريش، وإنما يراها مصدرًا لجني المزيد من الثروات و”التراكم”! ويحرس عملية مراكمته لرأس المال رجل دين يشرف على إقناع الناس بتقديم الأموال للآلهة وشراء الأصنام التي يقترحها أميّة في مجتمع لم يشهد ظاهرة رجال الدين! ومع أنّ هذه الصورة لا علاقة لها بالوقائع التاريخيّة إلّا أنّه كان من الضروريّ تركيبها بمحاكاة مع التجربة الأوروبية؛ لأنّ الفيلم مصنوع لهذا الغرض. فإن كان المشاهد الغربي كسولاً عن قراءة السياق التاريخي لمنطقتنا فلنغير هذا السياق لما يعرفه.

أمّا شخصيّة بلال فإنّها تتوق للتحرّر من العبوديّة بعد أن التقى بالتاجر الطيب أبو بكر الصديق، الذي أخبره أنّ الحريّة والمساواة مبادئ أصيلة وأنها ممكنة التحقق، ليعلم لاحقاً أميّة عن هذه الصداقة الجديدة؛ فيسأل بلالا عن ذلك، فيلقي بلال خطاباً يشبه خطاب مارتن لوثر كينج أثناء مسيرة واشنطن للحرية ” I have a dream”، فيوقع عليه العذاب الأليم في صحراء مكة.
وخلال ذلك فإنّ الشعار الشهير الذي اشتهر به بلال وهو “أحدٌ” “أحدٌ” فإنّه يتحول إلى “only one” بعد أن يسأله صفوان عُدّ معي كم آلهة نعبد؟ ويطلق بلال صرخة تخرج من أعماقه “free” تشبه صرخة ميل جيبسون في Brave Heart””.

تسير أحداث الفيلم بتجاهل تام للرسالة السياسيّة والتوحيّديّة التي كانت تحملها التجربة، ومع توجيهات حكيمة من أبي بكر الصديق لبلال بأنّ العنف لا يحل المشاكل، نشاهد بلال – خلال كل ذلك – يغني بالإنجليزية لكنّه لم يمارس مهمته التي لم يشتهر بغيرها وهي الأذان. لم يعد بلال حتى يؤذِّن في حضرة مشروع “تحسين صورة الإسلام”.

“بلال” محاولة للتسويق والترويج المعرفي لشخصية بلال بن رباح دون التطرق إلى أيّ ملامح دينيّة، -كما يقول كاتب الفيلم وممنتجه أيمن جمال- مشيرًا إلى أنّه فيلم موجّه إلى جميع الأديان وليس إلى المسلمين فقط، الذين درجوا على الانغلاق على أنفسهم في السينما وإنتاج أفلام موجهّة لهم دون سائر الملل والنحل. -كما يقول- لكنه بالمقابل وعد أن يدرج الأذان في النسخة العربية من الفيلم!

إنّ فكرة أن تنتج فيلماً دعويّاً موجهاً للغرب هي فكرة تسيء للسينما والفكرة معًا، فليست السينما منتجاً دعائياً ولا الفكرة بضاعة للتداول في السوق؛ ومع ذلك فالفيلم لا يمكن وصفه بأنّه دعوة موجهة للغرب؛ بل هو إعادة إنتاج للإسلام بما لا يزعج الغرب.

العبودية والحرية واختلاف السياقات

لقد نزع الفيلم السّياقات التاريخية للعرب في فترة النبوّة، ووضعها في قلب القرن الثامن عشر في الغرب، ومن ثمّ عمل على تقشير القصة من كل حمولتها الذاتية؛ لتكفّ عن كونها هي. إنّها أيّ شيء إلا قصّة بلال والدعوة المحمديّة، وإن كان هذا في مصلحة الإسلام -كما يفترض عادة – فهو في مصلحة الإسلام مقلّم الأظافر الذي تتقبله قوى السيطرة في المنطقة، وكأنّك لكي تتبرأ من داعش عليك أن تتبرّأ من نفسك وتلقي بها في سياقات الآخرين.

إنّ تضخم “المفهوم” وتحولّه لرمز ناتج عن ضيق واقعه، وهذا ما حدث مع مفهوم الحرية، لذلك حين نتساءل لماذا لم يحضر مفهوم الحرية بشكل مركزي في سياقنا التاريخي؟ فذلك لأنّ الدولة الإسلاميّة الأولى ليست كالدولة الليبرالية الحديثة التي لم تدع تفصيلاً إلا ووضعت أنفها فيه، جاعلة من كل الوظائف الاجتماعيّة والسياسيّة لا تقوم إلا تحتها كما يذهب لذلك عبدالله العروي، هذا يعني أنّه لكي ينضج مفهوم ما، يشترط ذلك أن يسبقه نضج نقيضه.

وإن كان الفيلم يحاول البحث عن الحريّة بما هي “قيمة” وليست “مفهومًا” (وهي مهمة لم يقم بها الفيلم) فسيجدها في البداوة والتصوف والتصعلُّك، إنها تعابير جسّدت ما تطلع الناس إليه وقتها من سعة في العيش وفسحة التصرف، ومع العروي نذهب إلى أنّ الفرد التقليدي يعي بذاته حينما يغادر نهائيًا الجماعة ويواجه الدولة أو يرفضها رفضا مطلقاً وإن كان مجردًا. وهكذا كان يفعل الصعلوك إزاء القبيلة والفرد الصوفي إزاء الدولة.

ومن الممكن حتى البحث في قيم التوحيد ذاته التي يمكن اشتقاق قيم التحرر منه كما صاغها ربعي بن عامر حول “إخراج العباد من عبادة العباد، لعبادة رب العباد”. لا يمكن لهذه الجملة أن تكون ليبرالية الطابع، إنّها توحيدية تقترح التوحيد كخلاص من أيّ علاقة قوة أرضيّة وإعادة ربطها بقوة عليا، مما يعني أن تقديمها يكون بوضعها في سياق ما اقترحته هي والحكم عليها وعلى مدى تحقُّقها في فضاء التجربة متروك للمعالجة السينمائيّة.

أمّا العنصريّة بما هي إقامة لتمايز هرمي بين الــ”نحن” و”الآخر” فقد كانت موجودة منذ القدم -كما يذهب لذلك الأنثروبولوجي شتراوس- وصحبها حالات واسعة من الاسترقاق، لكنّ نشوء “نظام الرقّ” بما هو نظام؛ تطور في حضن الحركة الاستعمارية الغربية بعد اتصالها بأفريقيا وغزوها للأمريكتين؛ فلقد بنت إنجلترا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال مجتمعات عبوديّة من الصفر في العالم الجديد، وتحالفت الثقافة العنصرية مع رأس المال في نظام الرقّ، فلا يمكن إسقاط هذه التجربة بأثر رجعي؛ لأنّه لا يمكن فهم “نظام الرقّ” بدون فهم الرأسماليّة والاستعمار معه.
ثمّة مأزق أوقع الفيلم نفسه فيه؛ فإذا كانت دعوة الإسلام هي دعوة تحرير عبيد ومساواة، فكيف يمكن تفسير العبوديّة في ظلّه بل وتوسعها؟

لم يحرر الإسلام العبيد؛ لكنّه ثابر على تجفيف منابع العبودية من خلال التشريعات التي وضعها، وهذا يقول عن سياق طبيعيّ لدعوة تاريخيّة. أمّا نزعها من سياقها التاريخيّ واقتراح أسئلة الحاضر للإجابة عليها؛ فهو تحامل على التاريخ من حيث هو إنقاذ له.

خاتمة

والسؤال الذي خرجت به عندما انتهيت من مشاهدة الفيلم هو التالي: هل بإمكاننا إنتاج فيلم تاريخيّ عربيّ يلتزم بالشّرط الجماليّ متحرر من هاجس إثارة إعجاب الآخر، ومن مجاملة الذات التي ترى بالتاريخ يوتوبيا أو تثابر على خلقه كذلك؟.

الإعلانات

فكرتان اثنتان على ”“بلال” الذي لم يعد يُتقن الأذان

  1. نقد موضوعي وفي الصميم
    من أجل هذا الموضوع أتمنى التواصل معك أستاذ طارق خميس
    فكيف لي ان أتواصل معكم سيدي ؟؟؟

    مهى تائب – كاتبة سيناريو من المغرب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s