يوم أسقطنا “ال” التعريف من كلامنا (1)

اكتب لك وأنت تقف على عتبة العشيرينيات من العمر فيما أنا استعد لمغادرتها، ولو تخيلناها كبيت نسكنه وفرضنا أنّ ثمّة حوار سيجري بين المغادرين والداخلين لهذه العشرينيات، فإنّه غالباً سيكون حديثًا عن بيت آخر، لذلك لا فائدة تُرجى من الحديث عن شبابيك البيت أو جدرانه لأنها غالباً لم تعد هي، كما أنّه لا فائدة من التعامل مع الكلام كخريطة طريق لأنه ضد الخريطة بعد أن خَبَر مَكر الطريق؛ لكن ثمة نقاشات أُطلقت حول مواقد البيت أو في قلبها ولعلنا نتشارك الحديث عنها في هذه الرسائل.

التساؤل عن المعنى؟

يبدو يا صديقي سؤال المعنى أمّ الأسئلة، سؤال لا يكفي أنّ نجاوب عليه مرّة واحدة، ليس فقط لأن معاني الأشياء تتغير؛ بل لأنه لا يكف عن طرح نفسه عليك كلما جاوبته أكثر، تقول: إنّ معنى ما أقوم به يكمن في “كذا” لكن هذا الــ”كذا” ما معناه؟ وباستمرار الاحالات للما بعد تفلت منك الدلالة النهائية للأشياء، وتجد نفسك عاجزاً عن الامساك بجملة واحدة تدفعك للعمل او الاستمرار.

إنك تعلم أنّ الأمر لم يكن كذلك فيما مضى، لقد كنا نملك معنىً لكل شيء في يوم ما، إنّ أعمالنا من الأكثرها تواضعًا للأشدها خطراً  كانت محاطة بالمعنى من دخول الحمام بالقدم اليسار وحتى الموت، كل شيء يكتسب معناه من اقتراح مسبق حسمه الدين أو تكفّلت به “الأيديولوجيا الشاملة”. أذكر أنني عندما كنت اعلق مجلة الحائط في المسجد،  كان يفرحني تجمّع الناس حولها لقراءتها ولكنّ هذا نادرًا ما كان يحدث، ومع ذلك كنت استمر في تجديد موادها أسبوعيًا لأني أعلم أنه إن لم تكن الناس تقرأها فإن الملائكة ستفعل… وستخبر الله.

كنا نستخدم “ال” التعريف بكل ثقة، نلحقها بالأشياء التي نحبها ونكرها بكل بساطة، نقول إنّ هذه “الحقيقة” وهذا “الشر” هذا “الطريق” وهذا “الضلال”.  معاركنا -والتي كنا مستعدين أن نُتبعها حياتنا بأكملها- كانت صراعًا يتكيء على “أل” التعريف، والباقي تفاصيل.

لقد كان التاريخ -بما يعنيه من تدفق كبير- في متناول يدنا، أصغر حصاة نلقيها فيه لها قيمة ما. وكنا نطلق على المعرفة والقراءة اسم “العلم”، وهي كلمة تتصل بتراث ضخم من الذين تعاطوا المعرفة كممارسة تعبديّة، داخل مشروع أكبر يسبغ المعاني على الأشياء كلها. لاحقًا صرنا نسمي ما نقوم به “ثقافة” وهي كلمة مشبوهة، تحيل لنقاشات لا تنتهي عن المثقفين ودورهم وعلاقتهم بالسلطة، ونبغي بها وجه أشياء كثيرة لا نعرف ملامحها على وجه الدقة.

ولكن، هل هذا يعني حنين لماضي “البراءة” الذي يصفه بدقة صلاح عبد الصبور في قصيدته “أحلام الفارس القديم” حين يقول:

 أُعطيكَ ما أعطتنيَ الدنيا من التجريب والمهارة

لقاءَ يومٍ واحدٍ من البكارة

إنّ الأمر يشبه اعتراضنا على المشي؛ فيما كأن بإمكاننا أن نبقى محمولين بين ذراعي آبائنا, طالما انطلق التساؤل عن الأشياء؛ فإنّ العودة للحظة ما قبل السؤال هي حنين طفولي يفيد تمارين الاسترخاء؛ لكنه لا يصلح مع تمارين الفكر.

“الايديولوجيا الممتلئة” تفكير مريح لاشك، لكنه تفكير كَفّ عن ممارسة وظيفته، إنها تمنح كل الأشياء معنى ولكنه تنسى أن تمنحك أنت بذاتك معنى، لا تكتسب قيمتك الذاتية إلا بمقادر انخراطك في منظومتها الخاصة للإجابات، لكنّ المعنى الكامن خلف وجودك أنت بالذات يبدو هشاً؛ لأنه لا يقوم بشروط حياته من داخله. إنّ مسألة وجودك الخاص هي مسألة غير مطرحة في أفق “الأيديولوجيات الممتلئة” حيث جرى ترتيب كل شيء قبل ولادتك وعليك استهلاك ما هو متاح في حدود قدرتك.

ألا يُعدّ ذلك لقاءً بالعدمية في حديقتها الخلفية؟ يبدو الأمر كما لو أنّه “إذا لم يكن من معنى شامل وكبير فإنّ لا شيء يمكنه أن يكتسب معنى” وهنا وجه الاتفاق مع العدمية؛ حيث لا شيء فيما يبدو أمامك يصلح لأن تعقد معه صفقة ذات معنى؛ لأنّ المعاني بالخارج وما علينا سوى استضافتها بدلاً من اكتشافها!!.

هل سقطت “ال” التعريف

ولكن هل الخروج من أفق محُمّل بالإجابات إلى أفق مفتوح على الأسئلة، كان كفيلاً بتحررنا من الجاهز نحو اكتشاف أفقنا الخاص؟

الذي حدث أننا بتنا نتحدث بدون “أل” التعريف هذا صحيح؛ وأخذنا نتحدث-دون أن ندري- بقوة “ال” التعريف لكن منزوعة العزاء، لقد استغرقنا وقت لنكتشف أنّ حتى أشد العلوم والمعارف تحرراً من الدين؛ هي سلفيّات أقلّ شيوعاً، وما دام الأمر كذلك فما لذي يجعل سلفية ما متفوقة على سلفية أخرى؟!! هل الأمر أنّ لكل زمن سلفيته؟!! فإن كانت نصوص الدين والأيديولوجيا الممتلئة” تليق بعصر قد مضى فإنّ “العلم الحديث” سلفية هذا العصر. إننا نؤمن بالعلم لدرجة أننا نأخذه كما كنا نأخذ من الرواة الحديث. هل فحص أحدنا بنفسه الأحافير التي تدعم “التطور” –على سبيل المثال- نحن لم نفعل ذلك بأنفسنا بالطبع؛ لكننا صدقناها لأنها نُقلت عن “جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب”.

وخذ الفلسفة كمثال آخر: هل تفكيرنا الفلسفي دفع بنفسه خارج ما خطته اليونان من أسئلة وطريقة اجابة؟ إن الفلاسفة يعودون لأرسطو أكثر مما يفعل السلفي مع الحديث النبوي.

 هناك فروق جوهرية بين هذه “العودات” هذا صحيح؛ لكنها في المحصلة “عودات” وليست قفزًا للأمام لأفق من حرية التفكير بدون أقواس. إنها ليست ولوجًا لنقطة هناك في العمق الانساني جرى تخيلها سابقًا لتبرر تحررنا مما سبق، ويكأن هذا القرن قام ببيعنا كؤوسًا جديدة لذات الخمر القديم. حتى المعارضات داخل حقل التفكير هي محكومة بأفق نفي ما هو معروض عليها، فلكي تقول أن هذه الفكرة خاطئة تحتاج لسوق البراهين على ادعائك وهي براهين تشتق من داخل اللغة الفلسفية نفسها، ثم تجد نفسك متخذًا لموقع داخل الفلسفة بلغة اقترحتها عليك مسبقاً، وبذلك جرى تحديد أفق معارضتك مع ادعاء لا بأس به من التجديد!!، ولعلي أعود إلى ذلك باستفاضة في الرسائل القادمة.

ويبقى السؤال: هل ثمة اقتراح بتفضيل “عودة” على أخرى؟  بالطبع لا أملك هكذا اجابة.  ولكن خلال سعينا لتركيب المعنى ربما سنلاحظ أنه ليس ثمة تحرر من التلفّت لــ”الخلف” ولكنّ التحرر من أيديولوجية “ثنائية الوراء والامام” هدف ما أقوله هنا، إنّ الزمن في هذا الاقتراح يبدو لك “أفقي” الصيغة –لا عمودي- والتفكير فيه هو جزء من وجودك ذاته في هذا العالم، جزء من خيارات أخرى ليس من ضمنها الوفاء للمعرفة نفسها، وكأنّك تمارس العبور نحو داخلك هناك حيث قتالك عن جوهر لا تعرف عنه شيئاً لكنك تعرفه حقّ المعرفة، وتنطلق بالخارج نحو أعداء تعرفهم بوضوح وأصدقاء تكتسبهم أو تخسرهم باستمرار، وبموازاة كل ذلك تبني “معرفتك” كما تشحذ سيفك؛ من مواجهات تعرفها لمواجهات تجهلها. إنّها -وفي أحسن أحوالها- أدوات لرؤية الوجود، كيف هكذا فجأة تحوّلت للوجود نفسه؟!!.

فتنة التساؤل

ما لذي تعد به هذه المراسلات؟؟ واحدة من تقليعات هذا العصر “كليشيه” يجري ترداده بدون ايما فحص وهو “أن الأسئلة أهم من الاجابات” دعني أوافق على ذلك جزئيًا؛ ولكن لنتخيل أنّ صديقًا لك يطرح بيأس سؤالًا عن المعنى وهو الآن  يُمسك بسكين حاد ويفصله عن شرايين معصمه مُدّة جملة واحدة، فبالطبع لن تكون هذه الجملة سؤالاً آخرًا!!، ينسحب هذا على مجمل مشكلاتنا السياسية والاجتماعية: كيف علينا هزيمة عدونا؟ كيف يمكن تأمين مأوى لتلك العائلة التي لم تعد تملك بيتاً؟…ألخ. دعنا نقول أنّ هذه الأسئلة أهم من الاجابات عليها وانظر أيُّ نكتة لا تُضحك ستنتج عن ذلك.

ولكن مع كل هذا ليس في المراسلات هذه ما يرقى لجواب أو يكتفي بسؤال، ربما لأنّ الاجابات تشتق من التجربة اليومية نفسها لا من الكلمات، أو ربما لأنّ هذه المراسلات انطلقت بما يشبه السؤال عن الأحوال والفضفضة عن حقبة خلت. لا أدري على وجه الدقة!! ولكنّك تعرف أنّني لو دقّقت في الكلمات أكثر فلن أقوم بكتابتها.

دعني أتوقف هنا، وسأخبرك في الرسالة القادمة عن “تداعيات الوحش الذي هرب من المختبر

Advertisements

فكرة واحدة على ”يوم أسقطنا “ال” التعريف من كلامنا (1)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s