“باولو سورنتينو”: في مديح الكاميرا

أوّل ما يخطر في ذهني بعد الانتهاء من مشاهدة فيلم من أفلام “باولو سورينتيو”؛ هو أنّ هذا الرجل يفكّر بكاميرته. لاحقاً عثرت على وصف شبيه عند الفيلسوف الفرنسي “جيل دولوز” عن كبار المخرجين، وهو أنّهم :“..يفكّرون من خلال الصور- الحركة، والصور – الزمن. بدلًا أن يسوِّقوا المفاهيم”.

لقد ولد المخرج والكاتب الإيطالي باولو سورينيتو في نابولي سنة 1970 ، وفي عام (2001) كان أول أفلامه ” One Man Up ” في طريقه  لجوائز عدّة في إيطاليا وبلدان أخرى، كما أنّه دشّن التعاون المقدّس، بينه وبين الممثل المبدع “توني سيرفيلو”.
وكان فيلمه الثاني “عواقب الحب”  The Consequences Of  Love قد حقق نجاحًا لاقتاً حيث حصل على جوائز عديدة من بينها خمس جوائز دوناتيلو: لأفضل فيلم، وأفضل مخرج، وأفضل سيناريو، وأفضل ممثل، وأفضل تصوير.

بعد سنتين من ذلك، عاد إلى مهرجان “كان” مع فيلم “صديق العائلة” The Family Friend. ولكنّ فيلمه الرابع Il Divo – 2008 عن رئيس الحكومة الإيطالية “جيوليو آندريوتي” كان هو الفيلم الذي نال الجائزة الكبرى للمهرجان، وتم اختياره 16 مرة لجوائز دوناتيلو.
كما حاز فيلمه “الجمال العظيم” The Great Beauty – 2013 على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي.
الكاميرا: آلة لديها ما تقوله

سورنتينو أثناء تسلُّم جائزة الأوسكار 2013

“إن كان في فيلمي نجمان، فإنّني أعرف أنه يوجد لديّ في الحقيقة ثلاثة نجوم؛ فالنجم الثالث هو الكاميرا”. هذا ما يقوله “سيدني لوميت” واصفاً أفلامه في كتابه (فن الإخراج السينمائي)، وهذا القول هو أفضل ما يمكن وصف أعمال “باولو سورنتينو” به، فإن كان سورنتينو يملك “توني سيرفيلو” في معظم أفلامه؛ فهو يملك الكاميرا في جميع الأفلام.

ليست الكاميرا بما هي آلة، معدّة لتكون نجماً سينمائياً؛ بل إنها تحتاج لترويض، وترويضها يكون باضطلاعها بمهمات لم تعتد القيام بها، وهي تجاوز تصوير المشهد إلى المشاركة فيه. لا تعود الكاميرا آلة صماء حينها، وإنما تتورط بالمشهد معيدة بذلك خلقه، حتى يشعر المتواجد في موقع التصوير أنه يرى فيلماً مغايراً في قاعات السينما.

في كتابيه عن السينما (سينما الصورة – الحركة) (سينما الصورة – الزمن)، يقف “دولوز” على النقيض من دعوى “كريستيان ماتز”، ومنها اعتبار الأخير أنّ الصورة السينمائية بمثابة الملفوظ اللسانيّ، و اعتباره أيضًا أنّ اللقطة هي الوحدة السردية الصغرى، أو المقطع الملفوظي السردي الأصغر. ومكمن معارضة “دولوز” له، هو أنّ “ماتز” يجرّد الصورة من سمتها الأساسية المتمثلة في الحركة. فبحسب دولوز “ليس السرد هو الذي يحكي؛ وإنما “الزمن” و”الحركة” هما اللذان يتوليان عملية الحكي”.
لدى الكاميرا ما تقوله، ولغتها  ليست لغة مكونة من حروف تُوضحّها الحركات، بل حركات مكتفية بذاتها، تكون هي الحرف والحركة في آن واحد.

أربعة أفلام ونسق واحد

لقطة من فيلم “الجمال العظيم”

يحكي فيلم “الجمال العظيم” The Great Beauty عن حياة كاتب إيطالي (جيب جامبارديلا) قد تجاوز الستين من عمره، وهو أعزب يعيش بمفرده في شقة تطل على سطح إحدى البنايات العالية لـ (الكولوزيوم) وهو أثر جميل من تلك الآثار التاريخية الرائعة التي يتدفَّق السياح لمشاهدتها في العاصمة الإيطالية روما.

في بداية الفيلم، نشاهد سقوط سائح ياباني ميتا من فرط جمال المشهد. هذا الجمال الذي تجري خيانته يومياً من سكان روما، حين بالكاد يلاحظونه كمشهد عابر، فيما عين السائح تنكشف عليه كلياً.

هذه البنايات القديمة، كانت هوس “جامبارديلا”، فالفيلم يبدأ بحفل صاخب في ملهى ليلي، ولكن فجأة يتوقف الصوت، وتقترب الكاميرا منه؛ ليخاطبها بما يشبه الصديق السري: “الجنس. هكذا يجيب أصدقائي. أما أنا فأجيب: إنها رائحة البيوت القديمة.” السؤال يكون ما هو أكثر شيء تفضله في الحياة؟

ليس ثمة خيط زمني للفيلم، حيث يمكنك التنقُّل بين المشاهد كما تشاء، لا يوجد مشهد يكشف لك ما بعده؛ فكل مشهد مستقل بذاته؛ لكنه استقلال يربطه بالمشاهد الأخرى. فإن كانت القصة التصاعدية غائبة فكل مشهد يحضر بذاته كتعويض عنها.

يميل النقاد لمقارنة أعمال “سورنتينو” بأعمال “فيلليني”، ورغم أنه لا ينفي هذا التأثُّر – خاصة في فيلم “الحياة حلوة”- إلّا أنّ المقارنة هنا لا تتعدى الموضوع ، ثيمة “الحياة في روما”، حيث تبدو روما في العملين وكأنها لا تكتفي بمراقبة إيقاع الحياة فيها؛ بل هي تبحث عنها، وتحاكم جماليًا كل ما يقف على النقيض منها.
أما عن الجانب الأسلوبي؛ فإنّ الافتراق أملته حركة التاريخ؛ فالواقعية الجديدة التي عادة ما يُنسب إليها “فيلليني”، كانت الأسلوب الطبيعي في إيطاليا عام 1945 وأيّ شيء آخر كان غير ممكن. حيث أن استديوهات “شينشيتيا” كانت خراباً، إثر الحرب؛ فدفع المخرجين ذلك إلى التصوير في أماكن واقعية مضاءة طبيعياً. وانعكس ذلك أيضًا على ظروف تمويل الأفلام وشروط الإنتاج. يحكي فيلليني عن ذلك في مذكراته (أنا فيلليني): “في فيلم “حياة حلوة” توفّرت لي ميزانية سخيّة بحيث استطعت التركيز على مشهد الاحتفال نفسه، من خلال لقطات عريضة تتلائم مع عدسات التصوير الواسعة .. وهذا مالم يكن متاحًا في الفيلم الذي سبقه “ليالي كابيريا”.

لقطة من فيلم “عواقب الحب”

وفي “عواقب الحب” قدّم سورنتيو واحدا من أفضل أعماله. إنه عمل بقدر ما تحكي نهايته عن عواقب الحب فعلاً، لكنه بأكمله يحكي عن الوحدة. وهنا تنجح أجواء “سورينتينو” في جعل الوحدة شيئاً ملموساً، يمكنك أن تراها من خلال أداء توني سيرفيلو  “تيتي جيرولمو” الذي يعيش وحيداً في فندق، كما يمكّنك تتبعها من خلال الكاميرا التي تطارده بتنويع مدهش متنقلة من اللقطات الثابتة إلى المتحركة في تناسق يخلق إيقاعا خاصا، ثم بالإمكان سماعها كما يُبرز ذلك مشهد الحصان الذي يجرّ العربة، حيث أصبح صوته ذو طبقتين؛ لتعطي التأثير المناسب عن عالمين مختلفين، ومع أنّه يمكن حذف أيّ لقطة من لقطات المشهد دون أن يختلّ السرد، إلّا أن هذا لا يعني أنها زائدة على الفيلم؛ بل لها مهمة جمالية تقوم بها، حين تنافس السرد بل تتحول لسرد من نوع آخر. إنها لا تزين العمل بل تقوم بإعادة خلقه؛ جاعلة المشاهد متورط في التقاط أدق التفاصيل التي تشكّل الفيلم بما فيها الرائحة !

وفي فيلمه عن “جوليو أندريوتي” Il Divo (الذي ترأس حكومة إيطاليا لسبع مرات) امتازت المشاهد باللقطات الطويلة والبطيئة، وسيّطر اللون الداكن على أجواء الفيلم، بما كان يوحي بأجواء الديكتاتورية التي فرضها “أندريوتي”. يقول سورينتيو أنه كان يفكر بموسيقى “فانكي روك” لترافق المشاهد بغرض السخرية، لكنه كان بحاجة أيضاً للتخفيف من وطأة الصورة فجاءت فكرة “الصافرة”. نقل الفيلم بعبقرية حياة الوحدة والمرض وعلاقة “أندريوتي” بالكنيسة والمافيا كذلك.

يستعين “سورنتينو” بالممثل الأمريكي شون بن في فيلمه This Must Be the Place – 2011 وهو الفيلم الوحيد في المقال الذي لم يقم بدور البطولة فيه “توني سيرفيلو”، والفيلم يحكي عن شخص يعاني من “اضطراب الهوية الجنسية” إلى حد ما أو كما يسميه الطب النفسي “GID  ” إلا أنه اضطراب لا يدفع صاحبه نحو تحويل الجنس، أو طرحه كسؤال؛ بل هو ينشغل بالبحث عن قاتل والده، فيما شكله الخارجي مكسو بمكياج نسائي، وفي الفيلم اقتراح من خارج الاضطراب لعلاج الاضطراب نفسه، حيث يخدم العنف كحاسم لهذا القلق.
ومع أن خصائص الكاميرا والتصوير وترتيب المشاهد تشابهت مع أعماله السابقة، إلا أن الغريب كان هو أداء “شون بن” الذي قارب أداء “توني سيرفيلو” حد التطابق، وكأنّ أفلام “سورينتينو” تُملي على الممثل أن يتماهى مع الأجزاء الأخرى للفيلم، تماهي لا يجعل من الشخصية ملحقاً للأسلوب بل يأخذها لأفق آخر لم تعتد عليه كما فعل “سورنتينو” مع الكاميرا.

نشر على موقع الجزيرة الوثائقية بتاريخ 23 أبريل 2015

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s