كيف تطيح الحرب بمن لا يستعد لها؟

بنبرة واثقة كان يردد الجنرال الفرنسي (ديجول) أمام هيئة الوزارة المؤقتة ما ملخصه: (ضرورة صدور إعلان رسمي بأنّ كافّة التشريعات والتنظيمات التي أقرّت أو وضعت طوال السنوات الأربع؛ حيث تولّت المسؤولية فيها تلك الحكومة التي يرئسها الماريشال (بيتان) بعد استسلام فرنسا ودخول الجيش الألماني إلى باريس،كلّها ملغاة ومعدومة الأثر).

بيتان بدوره كان قد وقع اتفاقية صلح مع ألمانيا سمحت باحتلال نصف فرنسا والنصف الآخر يبقى تحت رئاسته، لكنّ ديجول بعد أن جمع جيوب المقاومة في حركة أطلق عليها اسم (فرنسا الحرة) عاد ليهدم كل صرح التخاذل الذي بناه (بيتان).

كان منطق ديجول أن هذه الحكومة لا شرعية لها لأنها تفاوضت مع الاحتلال تحت إملاء السلاح ورأيه : (أن الشرعية الفرنسية تمثّلت في المقاومة (حركة فرنسا الحرة) لأن الشرعية أساسها الإرادة الوطنية وفي غياب الإرادة الوطنية فليست هناك شرعية …)

وتولّى (هنري فريناي) وهو أحد زعماء المقاومة مهمة تفصيل ما أجمله (ديجول) في اجتماعهم ليعلنه للشعب الفرنسي فأعلن بالنص: (إن حكومة بيتان كانت ظرفًا ساد فيه الجنون، لقد هُزمنا عسكريًا أمام الألمان، إنّ ذلك صحيح لسوء الحظ، لكنّه ليس سببًا كافيًا يدعونا لأن نقبل كحقيقة ثابتة ما هو حادثة عارضة، لقد كان قبول التعامل مع ألمانيا هو الهزيمة ذاتها، السلاح ينهزم وهنا الحادثة لكن إذا انهزمت الإرادة فهناك النهاية).

هذا السرد عن مشاهد من الحرب العالمية الثانية ليس مقدمة لما يريد المقال قوله، لكنه هو تمامًا ما أراد المقال قوله، إنّ التاريخ الذي هو ظل الإنسان على الجغرافيا -على حد تعبير هيجل- لا يكتبه أشخاص مثل (بيتان) أو وزير الخارجية البريطاني (هاليفاكس) الذي ألحّ على (تشرشل) بالاستسلام بعد سقوط فرنسا. التاريخ يعطي أوراقه كل أوراقه ليكتبها أشخاص واثقون، وأيديهم غير مرتعشة أمثال: ديجول وتشرشل. والذي كان نهاية أرادتهم أن ينتصروا في الحرب العالمية الثانية، ويجنبوا شعوبهم ويلات الذل والهزيمة .

في العدوان الأخير على غزّة، بدا الرئيس أبو مازن كمن يبحث له عن مكانة ما، بعدما فرضت الحرب منطقها، حيث السلاح الوحيد المخوّل أن يعطي حامله أحقيّة القول، ليس لأنّ السلاح ذاته يفيض بالشرعية على حامله، ولكن لأنّ قول حامل السلاح له رافعة مادية تجعله ممكن التحقق.

ظهر الرئيس أبومازن في بداية الحرب وكأنّه يؤيّد مقاومة إسرائيل من خلال تذييله لخطابه بآية قرآنية نزلت في تشريع الجهاد، لكنّ هذه المغازلة الجماهيرية سرعان ما تراجعت عن نفسها، ليقدم نفسه في نهاية العدوان بصورة الحريص على حقن الدماء، وكأنّه وسيط بين شعبين متقاتلين لا بين شعبه وشعب آخر محتل!! ومن ثمّ امتلك زمام الإعلان عن وقف إطلاق النار مع أنه لا نيران في المعركة تعود له، وهكذا بدا أنه الشخص الأكثر استفادة من الحرب حيث إصرار مصر على رعايته للتفاهمات جعلت منه يبدو كما لو كان ذاك الشخص القوي الذي لا يمكن تجاوزه.

كان برنامج أبومازن السياسي سبباً رئيسياً في استمرار العدوان على  الشعب الفلسطيني، وربما علينا أن نستعين مجدداً بمشهد من الحرب العالمية حتى نقول إنّ دروس الحرب تتكرر بشكل يبعث على الملل. بداية الحرب العالمية الثانية 1938 في ميونخ، جمع لقاءً بين رئيس الوزراء البريطاني (تشمبرلين) و (هتلر)، وبعد يومين خرج (تشمبرلين) على الشعب البريطاني يقول: إنّ (السلام في زماننا). لم يدرك أنه جعل الحرب العالمية الثانية حتميّة؛ لأنّ هتلر رآى تلهفه على السلام دليلا على الضعف.لم يدرك أنّ استرضاء العدو بأيّ ثمن هو أقرب الطرق إلى الحرب.

هذه قوانين الحياة قبل أن تكون قوانين الصراع في علم السياسة، إنّك عندما تنحني؛ فآلاخرون مدعوون للصعود على ظهرك، وعندما تبدأ حياتك السياسية بالقضاء على “عسكرة الانتفاضة”؛ فإنك تلقي بكل أوراقك التفاوضية على الأرض، ويصبح وقتها التفاوض نوعًا من أنواع التنازل؛ فإنجازات المفاوضات لا تصنع حول طاولة مستديرة إنما تصنع على الأرض بقوة المقاومة، وحضور الإرادة وطول النفس، وتأتي الطاولة المستديرة تتويجًا لهذا الجهد كله لتنجز سياسيًا.

وعندما أعلن السادات أنّ حرب أكتوبر هي آخر الحروب، كان عمليًا يقذف بكل انجازات الحرب إلى النيل ويحضر إلى طاولة مفاوضات لا يملك بيده شيئًا. إنّ خيار الحرب لابد أن يكون حاضرًا، وفي اللحظة التي يغيب تغيب الإرادة ويغيب الفعل السياسي المنتج، ونصبح مضطرين لقبول ما يعرض، بدلا من أن نكون قادرين على عرض ما نريد.

إذن ما الذي يملكه اليوم الرئيس أبومازن من أوراق؛ لكي يفرض شروطه على أيّ طاولة للتفاوض؟ هذا السؤال يصح لو أن أبا مازن تعامل مع طاولة المفاوضات كمرحلة لاحقة على جهد الميدان، لكنّه يعرّف السياسة بأنها عملية تبدأ بطاولة المفاوضات وتنتهي عليها.

هذه الوضعية غير السياسية التي يتخذها الرجل، تجعل من رحيله مسألة وقت لا أكثر، لسبب بسيط وهو أنه يلعب دورًا وظيفيًا أكثر منه دور قائد وطني، والوظيفة بحكم التعريف تنتهي بانتهاء فاعليتها. وبعد التفات الناس حول المقاومة في الحرب الأخيرة، بدا الرجل بدون شرعية تذكر، واتكاؤه الأساسي في الظهور كان على ما يملك من مبررات الدور الوظيفي الذي يقوم به، تلك الوظيفة التي لا تختلف كثيراً عن وظيفة مدير شركة أمنية كبرى مهمته ضبط الأمن ولا شيء أبعد من ذلك.

نشر المقال على صحيفة فصل المقال بتاريخ

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s