رسالة في اكتشاف القراءة

في رسالتكِ الأخيرة عن المدن والقراءة، اختفت الحدود بين الكتاب والمدينة، كون المدينة هي أيضاً نص ما. لقد كنتِ تقرأين المقاهي والشوارع كما تقرأين الصحف والكتب، وتعلقين على طُرُقها الفرعية كما تسجلين ملاحظة مهمة على هامش نص مكتوب. تعرفين أنّ علاقتي بالمدن فقيرة. بين عمان التي أجبرها المحيط على أن تكون هي، وبين رام الله التي أصبحت مدينة على خلسة من التاريخ، في لحظة غفوته تمامًا، تشكلت كل تجربتي المدينية.

لذلك سأكتفي بالحديث حول ما أثرتيه من أفكار عن القراءة والكتب.

أذكر أن أول مرّة بدأت أمارس فيها القراءة كانت في مكتبة مسجد حيّنا التي لم تكن تتجاوز المترين طولًا وعرضًا، شيء يشبه زنزانة الأسرى. كنت أحبس نفسي فيها وأقرأ ما هو متوفر. مرّت سنين على ذلك، حتى جرت توسعة المسجد لكثرة سكان الحي، فهدمت المكتبة وبنيت أخرى أكبر منها وأجمل. تشجعت كثيراً لذلك، ولكنّي لم أفلح في قراءة كتاب واحد فيها. ما الذي حدث؟! لا أعرف.

لكنّ الإنسان لا يعيش دون رواية يحكيها لنفسه، فقلت إنّه تعاقب على هذه الزنزانة مئات قبلي، وقرأوا وحيدين ومنشتين فامتص المكان تجربتهم، واحتفظ بها، حتى ليسهل عليك أن تشعر بأرواحهم. يمكنك أن تشارك في حوار خاضوه، من منتصفه، أن تعقّب على شيء قالوه دون أن يكتبوه، أو أن تضحك على فكرة اقترحوها، أو تعجب من أخرى تطابقت مع بنات أفكارك.

كانت هذه بداية العلاقة بالكتب، لكنّها أيضًا بداية العلاقة بأماكن القراءة. لم تكن تعجبني المكاتب العامة، وفي مدينتي الصغيرة كانت المكتبة العامة المكان الوحيد المتاح لعشّاق الثانويّة العامّة للقاء. وهذا دور جيد للمكتبة، لكنه لاحقًا سيجعل الحدود أقل صرامة بين مفاهيم تبدو متباعدة مثل اللذة والمكتبة والمطبخ والمستودع.

لقد لعبت القراءة دوراً مقاتلاً منذ اكتشفتها، دون تحديد عدو واضح المعالم. أخذ عالم القراءة يقيم مسافة مع عالم الواقع، وكأنّ فعل القراءة ذاته احتجاجًا على وجود واقع لا يشبهه، يلعب الكتّاب هنا دور “مفجرّين سريين للعالم الذي يقطنونه” بحسب وصف “ماريو بارغاس يوسا”. ويذهب يوسا إلى أبعد من ذلك حين يعتبر أن هذا هو مبرر وجود الأدب. مادة الأدب الأساسية هي التخييل ولأنه كذلك فإنه يثابر على خلق ما لم يحدث، عاملًا بعكس منطق التاريخ، إنه ما أردناه لا ما هو جاري. الفكر والسياسة تشبه ذلك أيضاً ومع أن مادتهما ليست التخييل إلا أنه لا معنى لأي كتابة لا تستنطق إمكانيات التاريخ الأخرى للجريان.

لكن الواقع ليس بالسذاجة التي نتخيلها؛ فيمارس انتقامه منا لتجاهلنا إيّاه بطريقتين: الأولى، حين يعزلنا عن المشاركة في التأثير فيه. والثانية، حين يطاردنا مكسرًا للأخلاقيّة الخاصّة التي نحاول أن نعيش فيها ولها. لاحقًا اكتشفتُ القراءة للمرّة الثانية. وحدث ذلك وقت أدبرتُ عنها. حين تتحررين من الكتب يا عزيزتي ستحبينها أكثر. ولا أبالغ إن قلت حين تقفين ضدها ستبدو أكثر نفعاً. وقت خالطتُ مجتمع قرّاء ما، وقفت ضدّها للمرة الأولى. لقد كانوا على مذهب الجاحظ يبحثون عن النظم، تحدثوا عما يعرفه الناس بلغة لا يعرفها الناس، وكانوا يقولون كتبًا وليس تجارباً، كلاماً متشابهاً يظنّ في ذاته التفرد. وإذا رددتُ كلامهم لأصوله التي استقي منها (أعني الكتب) لا يتبقى شيء من القائل نفسه. يظنون أنّ معدل قراءتهم الأعلى من معدل قراءة الآخرين مبرر كافٍ ليظنوا أنفسهم أفضل منهم وأكثر معرفة. أمكنني وللمرّة الأولى أن أرى الكتب وقد وقفت ضد الحياة، في حين أن مهمتها الرسوليّة ومبرر وجودها هو أن تعمل ضد الواقع لصالح الحياة. لقد كانت تعمل ضد الناس الآخرين في حين أنها بحكم التعريف تواصل مع أناس آخرين. استمعتُ بعدها بنصيحة “هنري ميلر”: “اقرأ أقل ما يمكن، وليس أكثر ما يمكن”. حين أتذكر الأشخاص الذين تعلمت منهم؛ فإنه غالباً ما يخطر في ذهني أولئك الذين كانوا أقل قراءة فعلاً. لقد امتلكوا مساحة جيدة للتحرك بين النص والحياة، يعودون للأول ليعزز الثاني، ويأتون من الحياة محملين بها إلى النص؛ فتختفي الحدود بين “دفة” الكتاب و”دفة” قيادة اللحظات. وكأنّ متع القراءة تأويلات على هامش متع الحياة. وما تدربهم عليه القراءة من رشاقة للذهن كانوا يستثمرونه في تأويل تجاربهم الشخصيّة وأخذها لمداها. تبدو العلاقة مع المؤلف شبيهة بتعريف علاقة الحب عند “لاكان”: “أن تحبّ هو أن تُعطي ما ليس بحوزتك”. فأن تقرأ هو أن تعطي للمؤلف ما ليس بحوزتك، أن تقترح عليه جهلك، ثم تمضي في قراءة اقتراحاته هو. لقد كانت الكتب الأقل فائدة بالنسبة لي هي تلك التي قالت لي إني أعرف بشكل جيّد، مع أنها قد تلعب دورًا خادعًا في تعزيز شعور الثقة بالنفس وتدعيم المناظرات التي نخوضها حولنا. لكنّ مهمة القراءة تتجاوز المناظرة وإن كانت تحتويها. إني أتنقل بين الحديث عن الكتب الأدبية والفكرية ولا أقيم تمييزاً خلال النص بينها لأنني أعرف أنك ستفعلين. في الواقع يمكنني فعل ذلك خلال النص، لكنني أخشى جملتك الشهيرة “دع النص ينساب دون لوثة الأكاديميا”. هذا فضلاً على أنّني لا أرى فروقًا واضحة بين صنوف المعرفة، وكل التقسيمات المقامة بينها هي بلادة إنسانيّة بغرض تسهيل تناول/ التهام المعرفة. هذا يذكرني بمهمة أخرى لا بأس بالنضال في سبيلها وهي إنقاذ القراءة من المطبخ والمستودع، ماذا أعني بذلك؟ إن القراءة التي تمنح اللّذة فقط تجعل المكتبة لا تختلف عن المطبخ، واحترامًا للاثنين علينا أن نقيم بينهما حدودًا واضحة. القراءة التي تخلق متعة ولا تتعداها لغيرها تعمل بتواطؤ مع الواقع، فهي تخلق بدلاً منه متعة شعورية بتخييل لا يحفز عدوانًا ضد الواقع نفسه بقدر ما يتصالح معه، من حيث أنها ترتب لنا انسحابًا آمنًا ولذيذًا. كما الأفيون تخدم القراءة الممتعة هنا.

ثم علينا أن ننقذ القراءة من الباحث، لقد حوّل الباحث الكتب إلى بضائع محشورة في مستودعه الخلفي، يستدعيها كلما اقتضى بحثه اقتباسًا منها أو توظيفًا لما يريد من أغراض القول. يفقد الباحث متعة النص كما أنه يفقد فائدته القصوى حين يكتفي بفائدته الاستخداميّة لأغراض البحث. في الواقع أنا لا أقول لك إن أي منهم مخطئ، أنا أفكر بالطريقة التي يمكن أن نتنقل فيها بين المتذوق والباحث دون أن نكون أحدهما. تصبح القراءة أكثر عمقًا حين يكون هناك مشروع تخدمه، أو للدقة، تقاتل في صفوفه. ليست القراءة شيئاً طهرانيّاً مطلقاً يمكن وصفه بالخيريّة أو بالسوء. حين تقف على أرضيّة ما وتختار معركتها يمكن وقتها الحكم عليها. تسألين في رسالتك ما هو عكس الكتاب ـ وأظن أن سؤالك يهدف لتعريف الشيء بنقيضه. أقول لك إن عكس الكتاب هو الكتاب الأكثر مبيعًا. حين اختفت الحدود بين المطبخ والمكتبة أمكن للسوق أن يبيعنا اللّذة، ولذلك فإن سوق الكتب لا يختلف بمنطقه عن منطق الأسواق الأخرى. لكن حين نعيد اللّذة إلى داخلنا، لا أحد يملك بيعنا إيّاها. وأقصد حين يصبح منبع اللّذة ذاتيّ وسريّ إذا اقتضى الأمر، فإن السوق يخسر بضاعته. لطالما كنت أكرر مع نفسي أن شرط المعرفة الخفاء. حين تنشأ أسئلتي المعرفية في العلن المفضوح أكون كما “غزاوي” بدون نفق، أو كمطارد يتمشى في وسط مدينة. حين يحمل المقاوم سلاحه ويمشي به تكون لحظة المقاومة في حدودها الدنيا. ولا يعني الخفاء الكتمان، وليست المقاربة هنا بين سلاحين بل بين خفائين بوصفهما حصوننا الأخيرة البعيدة عن الإمساك، في ظل مهرجان الانتهاك العام الذي أمم الخصوصيّات والمشاعر. تنشأ الإشكاليات في قلق سريّ تقيميه وحدك أو مع آخرين يشاركونك ذات القلق، ويخرج منه إلى العلن ما ترغبين في كثرته، بوصف المعرفة كالسعادة تتكاثر بالقسمة. لكن قبل هذا لا تتخلي عن مخابئك السريّة وسراديبك وشكوكك، كما أنه عليك أن تكوني حذرة من نسيان نفسك فيها، فلها هي الأخرى غواية خاصة. في ذهني أن أكتب لك أكثر، لكنك تعرفين هوسي بقصة حروف البرقيّات. لقد أخبرتك مرّة القصة التي حكاها لي والدي عن البرقيّات وكيف أنهم كانوا يدفعون مقابل عدد الكلمات فكانوا يختارون كلماتهم بعناية. تخيلي عدد الكلمات التي سنحذفها من كل ما قرأنا. ما يبقى منها هو ما سينفع النّاس ويمكث في أرض الذهن. اكتبي لي حين يكون لديك ما ستختنقين به إذا لم يكتب.

….

نشرت على موقع العربي الجديد بتاريخ 25 مايو 2014

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s