التفكير بالنكبة كصورة

“إنها نكبة..” يقول قسطنطين زريق، ويبدأ مقالته الشهيرة بالآتي: “سبع دول عربية تعلن الحرب على الصهيونية فتقف أمامها عاجزة!” وبشكل مختصر يدعو زريق إلى اعتماد سُبُل “التقدم” من أجل تجاوز الهزيمة، ومنها: “الآلة والعلمانية والعقل والعلوم الوضعية”.

لاحقًا، أعادت الكتابات عن النكبة في مجملها نص قسطنطين زريق، إما بشكل حرفي أو هوامشَ وتنويعات على نصه. وبما أن مقدمته كانت غير دقيقة، أنتجت بالضرورة نتائج غير دقيقة.

نحن نعرف اليوم، بعد إتاحة الأرشيف الصهيويني، أن السعودية واليمن لم يكن لهما جيش نظامي، وأن الجيش اللبناني لم يعبر الحدود الدولية مع فلسطين أصلاً، بينما امتنع الجيشان العراقي والأردني عن دخول حدود “الدولة العبرية” حسب التقسيم الذي وضعته الأمم المتحدة؛ فضلاً على أن عدد المقاتلين الإسرائيليين وتسليحهم كان يزيد على تلك الجيوش مجتمعة.

لم تكن الإرادة السياسية حاضرة ولا الإعداد العسكري لائقًا بمعركة؛ لكن هذا الحدث الذي لم تجرِ قراءته بصفته هزيمة عسكرية، تحوّل إلى صورة في الوعي العربي تُشْتَقُّ منها نقاشات ثقافية لا نهاية لها، تحيل إلى الثقافي باسترخاء، وتحجب العسكري والسياسي عنها.

في سياقات تحررية أخرى، تفوّقت شعوب”متخلّفة” بالمفهوم الغربي على “تقدّم” المستعمِر. لكن هذه المقاربة في سجالنا الثقافي كانت غائبة؛ حيث يبرر الثقافي ذاته باختزال أسباب حركة التاريخ فيه، متخفّفًا من الفعل/التضحية- مادة عجلة التاريخ الأولى.

سياسات متحفية واستذكار فولكلوري

المثابرة على خلق صورة الضحية وإعادة إنتاجها عبر مختلف القنوات الرسمية والشعبية كان من الأسباب الرئيسية في جعل النكبة حدثًا تأسيسيًّا- و”الضحية تلام إذا استمرأت دورها”. لقد عملت الذاكرة الانتقائية، بغرض السياسة والكسل أحياناً، على جعل الرقم أو التاريخ المتعيّن هو الحدث، مضمّنةً إياه كل مقومات فهمه وقراءته، ومنتزعة إياه من سياقه التاريخي.

لذلك لم يجر التعامل مع قمع ثورة 1936 بوصفه النكبة الأشد؛ حيث لم يكن لما حدث عام 1948 أن يكون نزهة لو لم يتم تصفية المقاومة الفلسطينية قبلها، وهذا ما ذهب إليه غسّان كنفاني في دراسته للثورة المذكورة.

خدمت صورة النكبة مشروع “السلطة الفلسطينية”، التي وفقاً لسياسات “المتحفة”، استدخلت النكبة، وهي حدث المواجهة، إلى المتحف؛ فكفّ عن كونه كذلك، وصار الحدث يعمل ضد نفسه، من خلال عمليات استذكار فولكلوري. كان مشروع أوسلو، وفقاً لاعتماده على “سياسات المتحفة”، يحتاج النكبة زمنًا فولكلوريًّا يعيد البكاء عليه بغرض تعطيله. وسياسات المتحفة تعتمد في منطق عملها على أنّ لا قيمة لأي شيء خارج المتحف، وما أن يدخل المتحف حتى تصبح له قيمة تفقده قيمته. إذ توحي هذه السياسات بتقديس الشيء فيما هي تقدسه لكي يكفّ عن كونه مقدسًا.

ووفقاً لذلك، تفككت رموز الوطنية الفلسطينية التي نشأت في سياق كفاحي، وجرى اختزالها في مركبها الفولكلوري، لتصبح لاحقًا هي الفولكلور فقط. وأتاح ذلك للتنافس على أكبر صحن حمص أن يكون عملاً وطنيًّا، مثلًا، في ظل خسارة المعارك الفعلية، فيما أمكن للكوفية التي كانت وشاحًا لتغطية وجوه المقاومين أن تصبح وشاحًا لـ”هز الكتف بحنّية”.

جرى ترحيل المشرّد إلى لغة قانونية بوصفه لاجئًا، وهنا حَجَبَ “اللاجئُ” “المشرّدَ” بوصفه إنسانًا خسر معركته، ومن الطبيعي أن يعاود الكرّة. كما حجب الأرض أيضًا، وصار يحضُر “مرموزًا فارغًا”، تُذْكَرُ عودته شعارًا دون ممارسة متصلة بمضمونه.

في قصة “عائد إلى يافا”، إحدى قصص مجموعة “نظرية اللعبة” لخالد عودة الله، ينسف الكاتب نموذج “اللاجئ” من خلال القذف ببطل القصة “حمادة” نحو ممارسة فعلية للعودة، ليصير إفريقيا عابراً للصحراء لا يعبأ بالحدود. العودة في القصة هي العودة المادية لا غير، وهذه قرينة الفعل الثوري التي لا مكان لها في احتفاليات الخطابة التي استرخت خارج الفعل والتاريخ معًا.

النكبة ومكيدة الحداثة

نحن نعرف من الكتابات التاريخية أن فلسطين كانت من أكثر بقاع المشرق العربي تقدّمًا، وأنتجت برجوازية تجارية وصناعية وفكرية تقدمت بها على كل الدول المحيطة. لقد كان مقدار التبادل مع الخارج وتطوّر الرأسمالية المحلية لا مثيل لهما في ساحل الشام بأكمله. ومنذ أواسط القرن التاسع عشر، كان جبل نابلس قد دخل في طورٍ من الزراعة التجارية والصناعات الزراعية لم يحلم بمثله أي ريف عربي. لكن كيف اشتغل هذا في سياق المواجهة؟ وكيف جرى أيضًا تجاهله لتصوير “التخلف” بوصفه سببًا للهزيمة؟

يتتبع فيصل دراج في دراسته “الفلاحون وولادة الوطنية الفلسطينية”، السلوك الفلاحي الرافض للوجود الصهيوني، حتى لكأنّ تاريخ الاستيطان اليهودي في فلسطين يساوي بشكل جوهري تاريخَ دفاع الفلاحين عن أرضهم. ورغم أن غالبية اليهود جاءت للإقامة في القدس ويافا، فإنّ ردة فعل الفلاحين في محيط المستوطنات الجديدة، هي التي استُشْعِرَتْ أولًا، بينما تأخر استشعار أبناء المدن لهذا الخطر؛ وهو ما يرصده المؤرخ الإسرائيلي يوسف لمدان، إذ لم تقم مستوطنة دون مشاكل مع الفلاحين، تنوعت خلالها ردود أفعالهم من الشكوى القانونية وصولاً إلى الكفاح المسلح.

لقد كان أول هجوم فلاحي على المستوطنات سنة 1886، وتحديداً على مستوطنة “بيتاح تكفا”، فيما كانت أول هبة مدينية في يافا سنة 1908، علماً أن الوجود اليهودي كان قد بلغ نسبة عالية فيها مقارنة بالوجود العربي. وربما يعود هذا التفاوت إلى حساسية الفلاح المبكرة تجاه الغريب القادم للسيطرة على أرضه، وحيث أن أرضه كانت موضوع السيطرة بشكل أساسي.

ينسحب ذلك على ثورة 1936، الثورة الأكبر في تاريخ فلسطين الحديث، التي شكّل الفلاحون أكثر من 90 بالمئة من مقاتليها. ولا يجعلنا ذلك نقع في تنزيه الفلاح، فنحن نعرف أن “روابط القرى” تشكلت منه أيضًا، لكنه يجعلنا نعيد التفكير بالطريقة اليقينية التي تقيم علاقة ميكانيكية بين النصر والحداثة، فيما يجري تصوير ما هو خارج الحداثة سببًا للهزيمة، في مكيدة استعمارية تخلق المشكلة وتتبرع بحلها!

نشرت في موقع العربي الجديد بتاريخ 16 مايو 2014

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s