حسين البرغوثي.. إقامة في الضوء الأزرق

12 سنة مرّت على عودة حسين البرغوثي “غير المتقنة” إلى بساتين زهر اللوز (1 أيار/مايو 2002). عاد في ذكرى ميلاده الستين، ليواجه الموت ويصنع صحن سلطة لـ”آثر وبترا” من خضار كان يزرعه أمام بيته، في ريف مدينة رام الله “كوبر” حيث نشأ بين الدير الجواني وصوت الـ”غريري”. يستخدم الفرنسيون لوصف آخر فعل يقوم به الإنسان تعبير “لفظ أنفاسه الأخيرة”، أما الإغريق فكانوا يفضّلون تعبير “أطلق نظرته الأخيرة”، فيما حسين “أعدّ صحن سلطته الأخير”. في كتابه “سأكون بين اللوز” (بيت الشعر الفلسطيني، 2004)، يصف حسين عودته من الغربة كالتالي: “لم يعد لي من مكان في كل هذه الانتفاضة إلا التردد بشكل ممل أيضاً على مستشفى رام الله.. جرحى وشهداء، وأنا تائه أسأل عن دكتور أمراض الدم. فترد ممرضة متوترة: نحن في حالة طوارئ، ألا ترى؟ فأدرك أنني شخص زائد عن الحاجة”.

منحته الأكاديميا لغة فلسفية جافة، تقوم على المجادلات المنطقية، كما يقول في إحدى حواراته. لكنه لاحقاً انتبه أنّ “هذه اللغة تقوم بقمع الذات ويجب نقدها وتجاوزها؛ لهذا لم تتحول الفلسفة عندي إلى الهدف. هي أداة، أيضاً، يتم تجاوزها: أستخدمها بتجاوزها أو أتجاوزها باستخدامها، لكنها ليست هي الحل بالضرورة”. محدودية الفلسفة جعلت حسين على علاقة جيدة مع التراث الصيني والصوفي. في “الضوء الأزرق” (بيت الشعر الفلسطيني، 2001) يعلّمه “بري” المتصوف المتشرد كيف يقذف بنفسه إلى ما خلف التفكير: “يا رجل! قلت لك راقب الماء، فكتبتَ قصيدة عنه! ألا ترى شيئاً إلا لكي تكتبه! إلى جهنّم بالشعر، راقب الماء”. ومزّقَ الورقة ونثرها فوق رأسي. جنّ جنوني، فقبضت على عنق معطفه، وصرخت: “لا تتجرأ مرة أخرى على مسّ قصاصة ورق كتبتها أنا”. كدت ألطمه. “يا رجل، الأنا عندك أكبر من مدينة سياتل! لا تعتقد، افهم، عندما يستولي العقل على الروح، يجف القلب، يا رجل، أنت جاف”.

 

لم يعنِ ذلك خيانة العقل لصالح القلب. لم تكن هذه الثنائية تصارعية في أعمال حسين، تماماً كالمذكر والمؤنث في أعماله. ففي “حجر الورد” (2002) يعبّر عن ذلك بقوله: “لست رجلاً ولا امرأة ولا أيضاً بين بين، فأنا اختفاء النهر عند التقاء الضفتين”.

يرى حسين في “سقوط الجدار السابع” (دار العامل، 1981) السبب الرئيسي الذي يبرر حياة الفرد، ويحقق شعوره بأنه وحدة واحدة متناسقة مع نفسه ومع مجتمعه ومع الطبيعة، ليخلص إلى أن “عيش الحياة هو عملية البحث عن التطابق بين حاجات العالم الداخلي وكلية العالم الخارجي”. ويصف حسين مشروعه بالقول: “وهنا أنا “نيتشوي” أرى أن التاريخ الإنساني خلق فكراً يقول “لا للحياة”، وخلق حياة تقول “لا للفكر”، وهذا أساس المرض في العالم كله”.

إن كان لنا أن نحدد أين يقف حسين فهو على النقيض ممن يجعلون مهمة الأدب الاعتذار عن الحياة. وإن أمكن فعل شيء فهو في الانحياز لـ”الكنز الداخلي” في النفس بالمعنى الصوفي للكلمة؛ ليس بغرض الانسحاب من عالم قبيح إلى عالم نقي، فهذا ضد الحياة بالجملة؛ بل بغرض الانخراط في الحياة بطريقة تليق بها، بوصف الحياة تحمل داخلها قيمتها وليس بقيم مسقطة عليها من خارجها.

 

هذا ما يجعل حسين مشغولاً في بعث اللذة حتى حينما يتعلق الأمر بالألم. إنّ تحويل الحزن والانكسار إلى نشوة هو الرهان الخفي لــ”حجر الورد” و”الضوء الأزرق”. وهو يعبّر عن ذلك بشكل واضح بقوله: “الشعور بالذنب فعالية قلب لم يتعلم بعد العيش في فعاليته”.

نحن هنا أمام “تراجيديا” بالمعنى النيتشوي للكلمة، تلك القادرة على إعادة الاعتبار للحياة قبل أن يتم مصادرتها بالقيم. ماذا يعني قلب القيم في مشروع حسين؟ إنه، وبلغة مجازية، الحجر مقابل “الفيلا”. يقول في إحدى حواراته: “التجربة عندي ليس الهدف منها بناء فيلا من كل حجر، يمكن أن تصل إلى نحت حجارة مستقلة”.

الحجر هو إمكانية التعامل مع التفاصيل، إنه الاحتفاء بالصغير ليس لكونه كذلك؛ بل من أجل استنطاق إمكانيات الحياة فيه، والقذف به في قلب الحكاية. إنه الوقوف على الهامش لتأمل المتن، أو الإطلالة من أعلى لإعادة هندسة الذات؛ فيما “الفيلا” ادعاءات كبرى لحياة لا تحتويها، حيث لا قيمة للحجر بذاته إلا بما يحتله في موقع الفيلا. حسين أراد إعادة الاعتبار لكل حجر على حدة ولم تشغله الفيلا، لم يشغله الكمال.

يمكن لهذا الكلام أن يخدم في أي سياق آخر؛ ولكن ليصبح كلاماً عن حسين وحده، يخبرنا في “الفراغ الذي رأى التفاصيل” (بيت الشعر الفلسطيني، 2005) التالي: “… وأنا واقف فوق الخرائب تلك، شعرت بفرق شاسع بين نوعين من الضوء: القمر والنيون في المستعمرة. كان الأخير مرتباً ومهيمناً، حاد البياض، منتشراً حتى وراء الأسلاك الشائكة التي تعزل كل مستوطنة عن محيطها، أشبه ما يكون برؤيا مسلحة، باحتلال بصري ومعمار ضوئي لدولة تهذي حتى في منامها برؤى مسلحة ومضاءة بالنيون، وبدت المستعمرة كلها كتاباً في النفس أيضاً: في العلاقة بين القوة والضوء”.

الضوء الخائف هو الذي يحرس نفسه جيداً. الضوء الذي يحرس نفسه جيداً لا يمكنه أن يكون ضوء. إن تاريخ كتابة حسين هو الكتابة مع ضوء القمر ضد نيون المستوطنة، دون أن تكون المستوطنة موضوعاً بذاتها، بقدر ما هي نموذج للاحتلال البصري، فيما التحرر بالكتابة كان انعتاقاً للضوء بالضرورة. إنهما رؤيتان مغايرتان، واحدة تقترب من الحياة بالملعقة وأخرى تجرف منها باليدين.

شاهدتُ فيلم “لغة اللوز” الذي يظهر فيه حسين على سرير المرض وقد نال منه السرطان. جملة واحدة استوقفتني وبدا كل شيء كخلفية لها: “أما انو لم يكتمل الأثر.. أنا من زمان تنازلت عن فكرة الكمال”. بدا لي هذا “الفراغ الذي رأى التفاصيل” يتأمل العمر كمحاولة أخيرة ليقول عنه شيئاً بحروف منتقاة بدقة كـ”حجر الورد”. التخلي عن الكمال كان شرط الإنتاج، فيما الإنتاج غير المكتمل كان شرط استمرار الإنتاج ذاته.

كان يحيلني هذا المشهد إلى مشهد آخر يشبهه حد التطابق. سعد الله ونوس في فيلم أنجزه عنه المخرج السوري عمر أميرالاي، جالساً على سرير المرض وقد نال منه السرطان أيضاً، يسرد بمزاج جنائزي كيف عاشر جيله مسألة الهزيمة، وكيف قُدّر له أن يكون “الجنازة والمشيعون معاً”، ليختم الفيلم بعبارة بدا معها كل شيء خلفية لها: “هناك أشياء كثيرة يا عمر، كان يمكن أن يتحدث عنها المرء؟!”.

نشرت في موقع العربي الجديد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s