مصر وايديولوجية الصندوق

يوم خروج ابي ليث الصفار على الخليفة في بغداد، جاء من يحذره من «عهد» الخليفة، فاستل ابو ليث سيفه وقال هذا هو عهد الخليفة، به جلس وبه سنطيحه، فما دامت الشرعية مصدرها السيف فالسيف المضاد أيضا هو وجهها الآخر والشرعي معاً. لذلك، وصف جوزيه سارني الرئيس البرازيلي السابق، الديموقراطية بأنها «النظام الذي يتيح للحاكم أن يطوي حقائبه».

وبرغم ما يمكن أن يقال عن كون هذا النظام في الحكم، بات يلوح أمامه نفق مغلق، ذات النفق الذي بشر بالخروج منه، إلا أنه لحين ابتكار العقل البشري لطريقة تراضي الناس في تداول الحكم يبقى التعامل مع الديموقراطية هو اجماع المختلفين حول الحكم وطريقتهم للاختلاف بالحكم أيضا

التقاء الشعار مفارقة المنطق

تلتقي الديموقراطية مع الثورة في لحظة الشعار. والثورة تشتعل بغياب الاولى. تساءل رأس السلطة عن مصدر شرعيته. وبقدر التقائهما قبل سقوط الحكم المستبد، بقدر ما هو ضروري أن يفترقا. ليس بالإمكان اجتماع الثورة والديموقراطية في الحكم، فهو أشبه بجمع أختين في زواج لرجل واحد. تعمل الثورة على تحقيق القطيعة مع ما قبلها، وتميل الديموقراطية إلى تحقيق السلم الأهلي والمصالحة المجتمعية. هي لا تنبت في تربة أحقاد. تتخلص الثورة من خصومها وتحاصرهم، بينما تعقد الديموقراطية سلسلة تفاهمات مع ما تبقى من الماضي، حتى تتمكن من تحقيق صيرورتها باتجاه ما تريد. وحين استلقى بهدوء لويس السادس عشر في قصر صغير داخل فرساي، ناجيا من العقوبة، وأصبحت ماري انطوانيت صاحبة محل لملابس النساء الداخلية غالية الثمن، كانت قلوب الثوار تغلي والظروف تنضج لتحول يقدم التسويات على الثأر. إنه «ثمن المخمل» بتعبير إيرنست جيلنر، وهكذا نررد حين نشاهد طنطاوي يتدلى من عنقه وسام النيل إنه: «ثمن المخمل» يا عزيزي.
بدا خصوم مرسي «جبهة الانقاذ»، لا ثوريين بحكم تجاهلهم للمنطق الثوري الذي يقول بالقطيعة مع علاقات النظام السابق، كما انهم لم يكونوا ديموقراطيين، لأن الممارسة الرافضة في الشارع كانت ذات طابع ثوري من دون أن تكون ثورية.
في المقابل، ظهر «الاخوان»، وقبل أن تحقق اللحظة الثورية نفسها، يبحثون عن تسويات للانتقال، وهي طبيعة النظام الديموقراطي حينما يريد أن يمكن نفسه. لكن ذلك بالاساس هو مهمة مجموع القوى المنجزة والمتحمسة للفعل الثوري، واذا ما انسلت قوة دون أخرى قبل الأوان، فإن ذلك لا يمكن تصنيفه إلا أنه بحث عن مكان في عالم يتشكل بطريقة مغايرة. وهذه اللحظة تحديدا (لحظة اجتماع «الاخوان» بعمر سليمان) هي لحظة تكشف ذهنية تفكر بالتسويات قبل وقتها، ومن ثم لا هي ثورية وقت كان لا يصح إلا الثورة، ولا ديموقراطية في وقت ستحتاج فيه إلى مجموع القوى الوطنية لبناء المرحلة الديموقراطية المقبلة، بعد أن أسست لانعدام الثقة.

العبور إلى الصندوق

لا تختلف القوى المصرية الوطنية اليوم عن بعضها كثيراً، ومع أن أغلبها شارك في معارضة حكم الاستبداد السابق بتفاوت، إلا أنه بالغالب لم تكن الديكتاتورية هي موضع المعارضة بل طبيعة تحقق الديكتاتورية، بحيث ان القوى المعارضة لم تكن تجد لها حصة في الحكم. وليس وجه المعارضة في ذلك هو غياب منطق التداول السلمي للسلطة، هذا يعني أنه لم تكن هناك قوى ديموقراطية حقيقية تتكئ على أدبيات ديموقراطية، بقدر ما تعاني من غياب الديموقراطية وترفعها كشعار بهدف حدوث تشكيل جديد تجد لها مكانا فيه، وبذلك ليست الديموقراطية بالضرورة هي المرشحة لتخلف الديكتاتورية.
انعكس ذلك بدوره على الثقافة بشكل عميق؛ فالمشهد اليوم لا يشي بخلاف سياسي على كيفية الانتقال، بل هو خلاف بطابع «عض الأصابع» على ترتيب المواقع في النظام المقبل. ما يحدث في مصر، لا يمكن اختزاله إلى ثنائية (ثورة/ ثورة مضادة)، مع أن ما يحدث هو صيرورة ثورية، تحاول من داخلها خلق شروطها بطرق خشنة.
لذلك، يبدو التحليل العقلاني مضحكاً. التحشيد بدأ بأقذر أشكاله، واستخدمت كل الأساليب من الكذب والتشويه واللعب على الوتر الديني واستجداء الغرب والجيش للتدخل، وأخذ كل هذا ينحو منحى لاعقلانياً ولاأخلاقياً في آن واحد.
كارثية هذه الحالة أنها ستنتهي بالمحاصصة على الأغلب. والمحاصصة هي تقسيم الارادة الوطنية على مجموع المنتصرين في «عض الأصابع». وهذا لا يشبه في شيء الارادة الوطنية التي هي تفيض عن مجموع القوى الوطنية لتخلق خطابا وطنيا متجاوزا للحزبية مع ان الحزبية هي من دعمته فهو أكبر منها وهي تشتق منه لا العكس.
المحاصصة تزيح السياسة جانبا وتضع الادارة مكانها. إنها تختزل الهم الوطني إلى مركباته الأولية، حتى يستسهل معالجتها في خطوات اجرائية هي أقرب للشركة منها للوطن.
لقد استخدمت هذه القوى المنطق الذي تعرفه في التنافس وهو منطق يفهم الديموقراطية على انها نظام عمودي (هويات: دينية،قومية،طائفية،..إلخ)، بينما الديموقراطية بالاساس نظام أفقي (مؤسسات مجتمع مدني، أحزاب،نقابات). لذلك كان صعباً على التيار الاسلامي أن يدعو إلى حشد سياسي، فأطلق اسم الشريعة على حشده تلك المقولة المختصرة والمكثفة في آن معاً والتي لها مفعول السحر على حشود يدفعها تديّنها إلى الانتصار لرافع الشعار دون تفحص المسافة الفاصلة بين الشعار وواقع
الممارسة.
اما القوى التي باتت تعرف بالعلمانية، فلم تستطع استخدام الخطاب الديني للتحشيد. صورة على سجاد الحرم المكي لا تكفي لذلك. كان عليها أن تشيطن الخصم وتتحالف مع الشيطان السابق في آن واحد، وتمثل العلمانيين في نزع العلمانية صفة الدولة على الفرد، في خلط فكري يهدف إلى الحصول على تمثيل كل من هم نقيض التيار الإسلامي.
تطفو صورة الفرد على السطح وكأنه يصوت بنفسه، في مشهد ديموقراطي الشكل إلا أنه في عمقه يخفي لا ديموقراطيته إذ يذهب الفرد وهو يستبطن داخله حربا لا تنتمي للجدال السياسي، بقدر ما تنتمي للصراع الهوياتي، وهو بذلك يصوت على هوية لا على برنامج حزبي، فلا يضع بالصندوق صوته بل مخاوفه وقلقه وأحيانا كراهيته.
إلا أن استقراء تاريخ التحولات الديموقراطية يخبرنا أن الممارسة الديموقراطية في البداية مع بناء دولة قوية كان يتبعها ثقافة ديموقراطية وليس العكس، ومع ذلك لا ينبغي التسليم بهذا الاستقراء لتمرير ثقافة الماضي واعادة انتاجها.
بعض القوى التي لم يجذبها الاستقطاب كحزب مصر القوية والتيار المصري، وقفت في المكان الصحيح في المعادلة الديموقراطية. إلا أنه موقف خاطئ أيضا كون الديموقراطية لم تحقق ذاتها. ظهروا وكأنهم يعملون في دولة عريقة في التقليد الديموقراطي في وقت كان عليهم بمنطق كسب الجمهور أن يشاركوا في حفلة التحشيد اللاعقلاني. لذلك، ليس مهمة هذه القوى الديموقراطية أن تطالب باحترام شروط ديموقرطية غير موجودة، بل السعي لخلق هذه الشروط وابتكار الطرق الخلاقة لهذا الحشد، من دون أن تتورط في ما تورط فيه شقّا الصراع في مصر اليوم، وليس على هذه القوى أن تحدد مكانها بحجة تفوقها على الاستقطابين بطريقة جمع اراء الطرفين مقسوما على اثنين.

رسائل التطمين إلى الخارج/التخويف إلى الداخل

موجهاً حديثه للغرب، تطرق محمد البرادعي لانكار الهولوكست كسبب لخروجه عن الجماعة «المعادين للسامية». كان السياق يشي بالكثير، فيما كان مرسي يتحدث لمجلة «التايمز» الأميركية بلغة منزوعة الكافيين تستجدي الإعجاب والقبول أكثر مما تفصح عن نفسها، من حضوره فيلم «مملكة القرود» مرورا بحرصه على صورة الأميركيين ومديح أوباما، وليس انتهاء بحديثه عن التهديد الإيراني.
لا نهاية لاستجداء الإعجاب، فما دام الغرب (اميركا) هو الحكم على مدى التقدم والتهذب في خطاب الاسلام السياسي/العربي، فهو سيطمع بالمزيد والمزيد حتى يغدو خطابا مقلم الأظافر. وبحكم الشرعية التي منحت له من قبل الباحثين عن الإعجاب، يزيد حضوره كجمهور يصفق /لايصفق على عرض الستاند كوميدي المسمى سياسية.
التقى البرادعي ومرسي في لحظة تطمين الغرب، كما التقيا في لحظة تخويف الداخل. هذه اللحظة تماما هي عمق الثقافة المأزومة في المشهد المصري المشتبك. حضور الآخر (الغربي) وغياب الذات (الأمة)؛ فالثقافة الوطنية يجب أن لا تتكون خارج البيئة المعقمة من (الخارج). داخليا يحسم الجدل ومن أجل الداخل. تنطلق الثقافة من الداخل في حركة تدفع مثلها الأعلى للأعلى كلما حلقت. لا هي تصل مبتغاها ولا هي تكف عن الحركة، ولكنها دينامية داخلية بامتياز، فيما يحضر الخارج في السياسة حضورا تفهمه السياسة وتتحمله ويبدو حضوره في الثقافة تهلكة تنفيها كلما اقتربت منها.
ليس للحظات التحول قانون فيزيائي، بل كلت حالة لها كيميائها الخاصة التي لا تكرر نفسها، إلا أنه يمكن الاستفادة من شروطها. لا يمكن تصور ديموقراطية من دون تطاحن سياسي. كما انه لا يمكن لديموقراطية ان تنشأ من دون هذا التناطح بالأساس. لكنه سياسي بالضرورة ويجري حول كيفية مقاربة الوطني وليس تقسيمه، وتحت ثوابت الامة لا فوقها. وثوابت الأمة هي ما تأخر حسمه في المشهد المصري، ظنا من القوى الفاعلة أن الديموقراطية هي الثابت فيما هي شرط تشغيل يعمل بشروطه التشغيلية الخاصة، ويدفع باتجاه الاتفاق على الثوابت بحكم فلسفته لا بحكم ممارسته كصندوق. بمعنى إن الديموقراطية لم تكن يوما معادلة سحرية بل هي معادلة جبرية بوصف طرابيشي، وهي تشتغل تحت ثوابت استقرت في الوجدان قبل الدستور، وجرى حسمها بمجموع الامة لا بمنطق الأكثرية التي قد تصبح أغلبية في انتخابات مقبلة.
ظهرت القوى الفاعلة في مصر مراهقة من حيث التفكير والممارسة؛ فهي تقرأ المرحلة على انها عبور للصندوق في ايديولوجيا تنتصر للممارسة ويعمى عنها الثقافي والسياسي فيها، بينما كان من المفترض أن يبدو المشهد عبورا إلى بناء الأمة التي تملك مشروعا خارجيا. هي تحضر من دون دعوة إلى مائدة العالم الذي حسم فيه كل الحضور أنفسهم كقوميات ذات حضور ومنافسة، وداخليا تدعو مواطنيها لعلاقة معها مباشرة من دون شرط عبورهم بانتماءات وولاءات ما قبل دولة كالطائفة والعشيرة والدين كشرط لتواصلهم معها.
ملاحظة: تنتمي هذه المقالة للنقاش الذي يحاول القفز عما يبدو أنه سياسة ليثبت اختفاء السياسة فيه، وهو نقاش ثقافي فلسفي بالاساس ولا يشغله تحميل المسؤولية للأطراف أو الانتصار لطرف مقابل طرف آخر.

…..

نشرت في صحيفة الأخبار العدد ١٨٨٧ الخميس ٢٠ كانون الأول ٢٠١٢

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s